اضع بين أيديكم هذه الرواية اتي لم تنشر بعد ورقيا
ما أرجوه هو ان توولوها بعضا من عنابتكم النقدية
مودتي سعيد ودغيري حسني
رواية من الخيال العلمي

تأليف
سعيد ودغيري حسني
إلى كل من أعرفهم وأحبهم ويحبونني.
إلى كل من يناضل من أجل السلام.
إلى من ولدتني ورعتني بحنانها، ووقفت صابرة أمام كل المصاعب من أجلي.
إلى من أحبتني واختارتني زوجا، وتحملتني، وسخرت كل طاقاتها من أجل إسعادي.
إلى أبنائي: طاهر وراوية ومحمد طه.
إليكم جميعا
أهدي هذا العمل الذي هو من نسج الخيال مع ألف تحية وسلام.
لقد استطاع الإنسان أن يحقق في نهاية القرن العشرين العديد مما كان يحلم به منذ قرون خلت. وهو إلى الآن ما يزال يحلم بتحقيق أحلام أخرى. وقد ساعده التطور العلمي والتكنولوجي الهائل الذي امتلك ناصيته في القرن العشرين على توسيع دائرة خياله وأحلامه، والسعي إلى توفير مزيد من الرفاهية في كل جوانب حياته… أحلام الإنسان لا حدود لها؛ فهو يحلم بالقضاء على الفقر والجوع والمرض الذي يتهدد الملايين، كما يحلم بتطوير الوسائل الطبية التي تمكنه من امتلاك جسم قوي وجميل، وإطالة عمره إلى أقصى حد ممكن… هذا الحلم الأخير ما كان الإنسان ليحلم به لولا التقدم العلمي الهائل في علم الجينات، وهو علم يستطيع به العلماء أن يحدثوا تغييرات مهمة في الهندسة الوراثية للكائنات الحية، ومن ضمنها الإنسان؛ بحيث يستطيع هؤلاء العلماء أن يزيلوا الجينات غير المرغوب فيها، ويزرعوا وينشطوا أخرى تجعل جسم الإنسان ينمو في أحسن صورة، وفي أفضل الظروف.
بالإضافة إلى هذا شهد علم زراعة وتعويض الأعضاء تطورا مهما، فقد صار بإمكان الأطباء المتخصصين استبدال عضو بآخر في جسم الإنسان، أو زرع خلايا أو أنسجة فيه، وذلك لأغراض صحية أو جمالية.
حصل أيضا تطور هائل في صناعة الأدوية؛ فصار بالإمكان القضاء على الأمراض والأوبئة التي عجز الطب عن مواجهتها لعدة عقود.
علم الأعصاب هو الآخر حدثت فيه تطورات غاية في الأهمية، وصارت جراحة الأعصاب والمخ غاية في السهولة بفضل الاستفادة من تقنيات الحاسوب؛ وهكذا صار في مقدور الأطباء الوصول إلى جميع الخلايا العصبية في المخ، أو في التشعبات العصبية داخل النخاع الشوكي، وكذلك في الأطراف وإصلاح الأعطاب التي تكون قد لحقت بالخلية العصبية مهما صغر حجمها، وبذلك تم القضاء على الأمراض العصبية التي كانت تعذب الكثيرين مثل النقرس والخرف والذهان وغيرها.
كل هذه الإنجازات العلمية الرائعة ما كان لها لترى النور لولا التقنيات العالية التي أصبح يتوفر عليها الحاسوب؛ لقد صار استخدام الحاسوب أمرا ضروريا في كل المجالات العلمية النظرية منها والتطبيقية، وصار من المستحيل الاستغناء عن خدماته، لذلك اتجهت جهود عدد هائل من العلماء إلى تطوير قدرات الحواسيب، بحيث صارت تخطط وتنفذ كثيرا من العلميات شديدة التعقيد بسرعة وكفاءة عاليتين، وهي عمليات يعجز الدماغ البشري عن القيام بها. لقد صارت الحياة العصرية متوقفة في كل مجالاتها على الحاسوب، وهذا ما ساعد على تسريع وتيرة التقدم التكنولوجي والعلمي.
مشكلة الغذاء بدأت تجد طريقها إلى الحل النهائي، وذلك بفضل الاكتشافات الهائلة في الميدان الفلاحي؛ فقد تم تطوير عدد من التقنيات الفلاحية، كما تم القيام بعدد كبير من عمليات تهجين النبات أعطت محاصيل زراعية وفيرة وعالية الجودة، كل هذا ساعد على القضاء على المجاعة التي كانت تحصد آلاف الأرواح البشرية في كثير من دول العالم الثالث.
أما بخصوص التلوث فقد توصل العلماء إلى إنتاج سيارات تسير بالطاقة الكهربائية بدل البنزين الذي يتسبب في انتشار الغازات السامة في الجو. كما تم استبدال وقود الطائرات بوقود غير ملوث للبيئة، والشيء نفسه تم القيام به بالنسبة لكثير من الآلات المستخدمة في المصانع والشركات.وعموما، فقد عرف العالم تغيرات تكنولوجية كثيرة مست جميع مجالات الحياة، وأثرت بالتالي في الحياة الاجتماعية في أغلب بلدان العالم، وجعلت العلاقات الدولية علاقات يسودها التفاهم والتعاون بدل الخصومات والحروب
السنة: 2.35 م.
الساعة: التاسعة بتوقيت غر ينتش.
السفينة الفضائية تحط فوق الكوكب الأحمر، العالم كله يتتبع مباشرة هذا الهبوط الموفق بعد رحلة طويلة جدا، على متن السفينة الفضائية خمسة رواد كل واحد يمثل قارة:
- الأمريكي : ستيوارت.
- الأوروبي : دافيد.
- الآسيوي: نوريو.
- الإفريقي: بابكر.
- الأسترالي: كامبل.
اختير الأمريكي ستيوارت للنزول أوّلا، متبوعا بالآسيوي نوريو ثم بالإفريقي بابكر.
وفعلا نزل ستيوارت من السلم الصغير، وحطّ قدمه فوق الأرض الحمراء واثقا من أنه سيدخل التاريخ من بابه الكبير كما دخله نيل ارمسترونغ من قبل. مشى ستيوارت قليلا ثم توقف وانحنى ليمسك ببعض التراب، ثم تبعه نوريو وكانت قدماه الصغيرتان تكادان تطيران من الفرح، وقال رادّاً على ستيوارت الذي قال عندما وطئت قدمه أرض المريخ: الحلم يتحقق أجابه نوريو: العلم يقين، ثم مشى قليلا ووقف بجانب ستيوارت في انتظار بابكر الذي ما إن وطأت قدماه المريخ حتى قال: وكأني بإفريقيا نعيد بناء التاريخ، ثم اتجه نحو زميليه لتحية أهل الأرض…
كان ضمن برنامج الرحلة إقامة شاشة كبيرة فوق المريخ تبث فيلما باستمرار يقوم بالتعريف بالأرض؛ بموقعها بالنسبة للشمس، وبسكانها وبحيواناتها وببيئتها وبلغات سكانها وبالأجناس البشرية التي تسكنها، وبالأنظمة السائدة فيها، وبالديانات، وبما وصل إليه العلم… يُعرض كل ذلك بطريقة سهلة الفهم على أي ذكاء كيفما كانت درجة إدراكه.
كما أن برنامج الرحلة سيقوم بزرع بعض الآلات الدقيقة القادرة على تسجيل أدق الذبذبات لمعرفة ما إذا كان هناك شكل من أشكال الحياة في الكوكب الأحمر. كما ستقام آلات أخرى للتصوير في كل الاتجاهات. وسيقوم طاقم المركبة بجمع بعض المواد وتفحصها عن قرب علهم يعثرون على شيء مهم يساعد العلماء على اكتشاف المزيد من الحقائق الخاصة بهذا الكوكب… كان هذا برنامج الرحلة.
أما في الأرض فالناس يهنئ بعضهم بعضا في المقاهي وفي العمل وفي الشارع وفي الحدائق والأماكن العمومية: إنه نصر عظيم للإنسانية… إننا بدأنا فعلا نخترق الفضاء ونسبر أغواره. هذه الجملة قالها أحد المذيعين، وترجمت إلى جميع اللغات؛ فالحملة الإعلامية التي واكبت الحدث كانت مكثفة جدا، لدرجة أن المرء يحسب أن العالم لم يعد له أدنى مشكل داخلي وأنه صار متفرغا لأبحاث الفضاء.
إن الجوع ما زال يفتك بالبشر، والأمراض والأوبئة ما زالت تحصد أرواحا كثيرة خصوصا في الدول الفقيرة، التي دكتها العولمة دكّا، وأصبحت تقتات من الفتات الذي تهبه لها المنظمات غير الحكومية؛ ففي هذه السنة كثرت الكوارث الطبيعية؛ فقد أدى انجراف للتربة إلى وفاة العديد من الناس في مناطق شتى، ومازالت الحروب العرقية والإثنية تدور رحاها هنا وهناك.
أما الدول المتقدمة فترفل في نعيم الديمقراطية والاختراعات والاكتشافات التي توصلت إليها، وهي منشغلة بمحاربة الشيخوخة والأمراض، ومرة بعد أخرى تلتفت إلى الدول الفقيرة فتساعدها من باب الإنسانية.
وفي الوقت الذي تعاني فيه الدول الفقيرة من الفقر والجوع والجهل والمرض تصرف الدول الغنية مئات الملايين، بل الملايير من الدولارات، على الرحلات الفضائية، وهي أموال يكفي القليل منها لمساعدة الدول الفقيرة على التغلب على أغلب مشاكلها.
كانت هذه بعض ارتسامات المعارضة المحتشمة القائمة في ذلك الزمان. أما في المريخ فالاستعدادات على قدم وساق؛ فالشاشة الضخمة بدأ تركيبها، وكذلك الآلات المطلوبة للبث، والأحجار والتربة التي سيتم تحليلها لمعرفة مكوناتها، والاتصال مع القاعدة الأرضية مستمر، والتعليمات تعطى من هنا وهناك، في حين يقوم الرائدان الآخران كامبل الأسترالي ودافيد الأوروبي بالدوران حول المريخ لمعرفة ما يجري، وهما على اتصال بالجميع….
في غمرة هذه الأفراح اختفى الرائد الآسيوي نوريو، لم تلمحه الكاميرا، وانقطع أي اتصال معه.
ستيوارت: ألو نوريو، أجبني من فضلك.
بابكر: ألو هل تسمعني؟ أين أنت؟
كلمات بقي يرددها ستيوارت و بابكر، لكن بدون جدوى.
بابكر: كيف حدث ذلك، لا يمكن… لقد كان بجانبي.
ستيوارت: القاعدة… أجبني.
القاعدة: ماذا حصل ستيوارت أجب من فضلك؟
ستيوارت: لقد اختفى الرائد نوريو ولم يعد يظهر له أثر.
القاعدة: والراديو؟
ستيوارت: لا فائدة.
القاعدة: انتظر قليلا ربما يكون مغمى عليه في حفرة، أو أن آلة ما قد أصابها الخلل فلم تعد صالحة لاستعمالها للاتصال… أنتظر قليلا ستيوارت.
لقد أصيب الرائدان بابكر وستيوارت بالذهول والذعر، إلا أنهما لم يريا أثرا لحفرة أو مكان يمكن أن يلجأ إليه نوريو.
ستيوارت: إنه من غير الممكن أن يكون في مكان أو حفرة، إذ لا وجود للمباني هنا… من فضلكم لقد حدث شيء خطير، فما العمل ؟
القاعدة: عودوا إلى المركبة ريثما نقرّرُ ما يجب القيام به.
وفي القاعدة بدأ السيد جيمس المسؤول عن الرحلة الكلام قائلا:
جيمس: اقطعوا البث التلفزي، وبرروا الحدث بأي حُجَّة.
هارولد المساعد: ولكن، سيدي، أتظنُّ أنه اختطف؟
جيمس: أنا لا أظنُّ شيئاً، ماذا يجب علينا أن نعمل؟
أحد المساعدين: الرئيس الأمريكي على الخطّ.
جيمس: مرحبا فخامة الرئيس.
الرئيس الأمريكي: ماذا حدث، لماذا انقطع البث؟
جيمس: لقد اختفى أحد الرواد ولم نستطع الاتصال به.
الرئيس الأمريكي: اختفى؟
جيمس: نعم فخامة الرئيس، ولقد أعطيت الأوامر للرواد الباحثين بالعودة إلى المركبة ريثما نأخذ قراراً.
الرئيس الأمريكي: أوَ تظّنُّ أنه أصابه مكروه؟
جيمس: إن كاميراتنا العالية الدقّة في التصميم لم تلتقط أيَّ شيء، لقد أعدنا الفيلم ثلاث مرات بدقّة، ليس هناك ما يثبت شيئاً اختفى هكذا بدون تبرير.
الرئيس الأمريكي: إذن، الأمر خطير… أ يكون قد اختطف؟
جيمس: كل شيء وارد، وهناك أكثر من احتمال، المهم ما العمل يا سيدي؟
الرئيس الأمريكي:أولا يجب أن تتم العودة حالا، أما الترتيبات فستكون في اجتماع طارئ هنا في البيت الأبيض غداً.
جيمس: حاضر سيدي.
أعطى جيمس أوامره للعودة ولكن بدون نوريو المسكين الذي يجهل مصيره. ربّما تدوم رحلة الرجوع طويلا والرأي العام ينتظر، وباب التأويلات فتح. قرّرَ علماء الفضاء وكذلك رئيس الولايات المتحدة الأمريكية في اجتماع خاص داخل مبنى البيت الأبيض ما يلي:
- إعلان موت نوريو إثر فقدانه.
- اعتباره سفير الفضاء، وتشيع جنازته في كل العواصم العالمية على غرار الجندي المجهول.
- عقد مؤتمر عالمي للفضاء قادر على الخروج بتوصيات كفيلة بحماية الإنسان والأرض من جبروت أي مُعتدٍ محتمل.
- قبول تمثيلية رجال الدين في هذا المؤتمر للإدلاء بآرائهم …
اختتم الاجتماع، وأعطيت التعليمات للتنفيذ الفوري لكل القرارات، بعدها أعلن رسميا عن فقدان الرائد الآسيوي الياباني الأصل ”نوريو” في الفضاء رسمياً، وحُدِّد يوم 20 يونيو لتشييع جنازته في كل العواصم، وأعطي يومه عطلة مؤدى عنها ليشارك الجميع في هذا المصاب، ولتعطي القضية ما تستحقه من الاهتمام.
في يوم 30 يونيو، وفي اليابان خصوصا حضرت الحكومة اليابانية لجنازة القرن حيث خرجت كل المدن اليابانية بجنازتها تطوف الشوارع الرئيسية قبل أن تتجه نحو نصب تذكاري نُقش عليه اسم رائد الفضاء الياباني ‘نوريو طشكا’، وكانت الموسيقى ترافق الجثمان الوهمي إلى قبره، وباقات الورود المعبرة عن الطريقة اليابانية تزين قبره. وكذلك كان في جل البلدان الآسيوية التي تفاعلت مع الحدث؛ فقامت بتشييع جنازات تليق والمقام، كما نُكست الأعلام، وأعلن الحداد الرسمي في آسيا كلها وليس فقط في اليابان وحده.
في واشنطن شيعت الجنازة في موكب رهيب شارك فيه أعضاء السلك الدبلوماسي المعتمدون في واشنطن، ورجال الدين من مختلف المشارب، وأعدَّ نصب تذكاري في ساحة عمومية نقش عليه ”سفير الفضاء نوريو طشكا”. وقام الجميع بتحية العلم الياباني ثم الأمريكي، واستمعوا إلى كلمة تأبين ألقاها الرئيس الأمريكي قال فيها: كان بودّنا أن نحتفل بما كان سيحققه هؤلاء الرواد من إنجازات عظيمة، ولكن القدر أفسد علينا فرحتنا بفقدان رائدنا هذا. ولكن ما أفرح له هو أنه فُقد بعد أن نزل فوق المرّيخ، وهذا شرف كبير يكفيه، ويزيد صبرنا، ويحفزنا على المُضي إلى الأمام نحو فتوحات وفتوحات تُطفئ عطشنا للمعرفة ولمزيد من الاكتشافات. رحم الله الفقيد، وأدعوكم إلى الاحتفال سنويا بهذه الذكرى، والسلام عليكم.
في أوروبا كان الحماس نفسه؛ فكل العواصم شيعت الجنازة، وعزفت النشيد الوطني الياباني، وألقيت كلمات تأبين في حق الفقيد وفي حق العلم.
أمّا في إفريقيا فهناك من أقام صلاة الغائب، وأبَّنَ الفقيد بطريقته، وتخيلوا لو أن أبا بكر كان في مكان نوريو، وأقاموا نصبا تذكارية، وعزفوا ورقصوا وتساءلوا كما تساءل الجميع في كل الأقطار: ماذا وقع؟
أ يمكن أن يكون المريخ مسكونا بمخلوقات غريبة؟… انطلق الخيال يصور أحسن ما عنده؛ فمنذ وقت ليس بالقصير لم يعد الناس يتخيلون… بسبب ضيق الوقت، وبسبب المدنية الحديثة ووسائل الاتصال والعمل وظروفه، كل هذا جعلهم كالآلة يقومون بأعمال رياضية فقط 1+2=1. الكل بدأ يتخيل شكل هذه المخلوقات، أ هي مثلنا؟ أ هي من لحم ودم؟ أم هي من شيء آخر؟ أ تتكلم؟ ماذا تأكل إذا كان سطح المريخ خاليا من النبات والشجر ؟.
ظهرت بوادر الخوف والرعب عند كثير من البشر الذين خافوا من أن يهجم عليهم هؤلاء، وينكلوا بهم وبأولادهم وبمُمتلكاتهم، وبدأت عمليات الانتحار الجماعي والفردي، وبدأ رجال الدين يتحرّكون ليقوموا بواجباتهم في تهدئة النفوس الضعيفة، وإعطائها شحنة من القوة حتّى تقدِر على مقاومة المصاب. وشُكّلت مجموعات من المتطوعين الاختصاصيين للغرض نفسه تُخاطب الناس عبر وسائل الإعلام، وتذهب - إن اقتضى الحال- إلى الأماكن العمومية قصد تهدئة النفوس، والتحدث مع الناس عما يمكن أن يحدث. وفي خضم هذا الغليان كان لزاما على الرئيس الأمريكي أن يتدخّل ليشرح للرأي العام ملابسات القضيّة، وكيفية المواجهة إذا كانت هناك مواجهة…
وفي منتصف شهر غشت ظهر الرئيس الأمريكي على شاشة التلفزة ليخاطب الشعب الأمريكي ومن خلاله العالم، كان الرئيس مبتسما، يوحي مظهره بالهدوء والثقة في النفس. وحضر جمع كبير من الصحفيين من كل أنحاء العالم للاستماع للخطاب، ولحضور المؤتمر الصحفي الذي سيعقده الرئيس مباشرة بعد إلقائه الخطاب. هذا الحضور الضخم للصحفيين ولوسائل الإعلام الدولية يعني أن الحدث ضخْم بكل المقاييس، وأن الخطْبَ جلل… وفيما يلي نص الخطاب الذي ألقاه الرئيس الأمريكي:
أيها الشعب الأمريكي، أيها الإنسان أينما كنت… بادئ ذي بدء، أهنئك من أعماق قلبي على النجاح والإنجاز الكبيرين اللذين حقّقتهما البشرية؛ فبعد القمر جاء دور المريخ، الكوكب الأحمر الذي طالما راودنا غزوه، والذي استنزف منّا - وعلى امتداد سنوات عديدة - أموالا باهظة من خلال برامجنا الفضائية المختلفة… ولقد قمنا بوضع العديد من الأجهزة فوق المريخ، ولم يحدث أبدا أن ضاع جهاز واحد منها، حتّى جاء يوم النزول البشري ففقدنا رائدا يابانيا كان يمثّلُ قارّته في هذا الإنجاز الرائع. ولقد قمنا بما يمليه علينا الواجب فأطلقنا عليه اسم سفير الفضاء، وشيعنا جنازته في كل العواصم، وقرّرنا الاحتفال بذكرى فقدانه كل سنة، كما أعطينا أمراً بتكوين لجنة مختصة تقوم بفحص الأجهزة التي لم تستطع ربط الاتصال به، والتقاط صورة له قبل اختفائه، كما قمنا بعدة إجراءات أخرى مشابهة. وقد توصّلنا من صديقتنا دولة اليابان بطلب توضيح ملابسات وظروف اختفاء رائدها، وسنعمل على إطلاعها على كل التفاصيل المتعلقة بهذا الاختفاء المفاجئ، كما قرّرنا عقد مؤتمر دولي حول الفضاء في الثامن من أكتوبر 2035 بطوكيو عاصمة اليابان، وذلك حرصا منَّا على مزيد من مواساة الشعب الياباني وأسرة الرائد الفقيد. وستحضر كل الدول المهتمّة من قريب أو بعيد بالفضاء هذا المؤتمر، ومازالت كتابتنا الخاصة تتوصَّل بطلبات حضور هذا المؤتمر. كما قررنا إشراك رجال الدين في هذا المؤتمر ليكون النقاش مفتوحاً على الجميع، ولكي نخرج بنتائج إيجابية وملموسة، لأن الأمر يهمّ البشر جميعا ويهم مستقبل الأرض. وستدوم مدّة المؤتمر ثلاثة أيام مع إمكانية عقد مؤتمرات أخرى في أماكن أخرى من العالم إذا اقتضى الأمر ذلك… هذا في ما يخصُّ التدابير التي اتُّخذت لحدّ الآن، ونحن مستعدون لتقبل كل الاقتراحات. أما فيما يخصُّ الذين أصيبوا بالخوف والذعر فأقول لكم ببساطة شديدة لم هذا الذعر كله؟ لأنه لا يمكن أن نفترض أن نوريو اختطفه سكان المريخ وقتلوه، لأنه لو كان هناك مريخيون مختطفون لاختطفوا كل الرواد، وليس فقط الرائد الياباني. ولو كان هناك غزاة لظهروا منذ وقت طويل، لماذا لم يظهروا الآن؟
والآن أعلن عن افتتاح المؤتمر الصحفي، وأرجو أن نُوفّق فيه جميعنا إلى اللقاء بعد قليل.
كان هذا نص الخطاب الذي ألقاه الرئيس الأمريكي من البيت الأبيض، وفي حديقة البيت يستعد الصحفيون لتغطية الحدث.
صحافي أمريكي: لماذا سفير الفضاء؟ وليس جريمة الفضاء؟
الرئيس الأمريكي: لأنّها ليست جريمة و هو يبتسم.
صحافي فرنسي: سيدي الرئيس، أعلنتم أن المهتمين ورجال الدين سيشاركون في المؤتمر المزمع عقده في شهر أكتوبر… لماذا لم تُعلنوا عن جدول أعمال هذا المؤتمر ؟
الرئيس الأمريكي: رجال الدين منذ زمان أُبعدوا عن القضايا الساخنة، ونحن على يقين أن لهم كلمتهم في كل ما يدور، فالكتب السماوية اهتمّت بالإنسان وبقدراته على الغوص في الأعماق وارتياد الفضاء، ونحن نريد الاستفادة من رجال الدين في هذا الصدد. أمّا فيما يخص جدول الأعمال فهناك لجنة تحضيرية للمؤتمر منكبة الآن على ذلك، وستوافيكم بجدول الأعمال في حينه.
صحافي آسيوي: فخامة الرئيس، ألا ترون معي أن اختطاف نوريو يُمكن أن يكون إشارة من سكان المريخ يعلنون بها عن وجودهم وعن بحثهم عن طريقة للتواصل معنا؟
الرئيس الأمريكي: كم أتمنّى ذلك، فنحن لدينا رغبة كبيرة في التواصل مع حضارات أخرى، فهذا ما سيُخرجنا من عزلتنا في هذا الكون الفسيح؛ فالشعور بأنّنا ن













